لقد عملت كطبيبة أطفال لأكثر من 13 عامًا، وأتيحت لي الفرصة لعلاج آلاف الأطفال في القاهرة وكذلك في محافظات أخرى من مصر. أحد أكبر مخاوفي في الوقت الحالي لا يقتصر على الأمراض المعدية أو سوء التغذية، بل هو النسبة المرتفعة لأمراض الجهاز التنفسي بين الأطفال نتيجة تلوث الهواء. هذا "العاصفة الصامتة" إن لم ندركها ونتخذ إجراءات مبكرة، سندفع ثمنها بصحة جيل كامل. أرقام مقلقة وفقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية (WHO)، تُعد مصر من بين الدول ذات أعلى مستويات التلوث بجسيمات الغبار الدقيقة PM2.5 في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وخاصة في القاهرة. وأظهرت دراسة في عام 2023 أن أكثر من 40٪ من الأطفال في المدن الكبرى تعرضوا لدخول المستشفى مرة واحدة على الأقل بسبب مرض تنفسي خلال 12 شهرًا. كما أظهر مسح في مستشفى أطفال جامعة القاهرة أن نسبة الإصابة بالربو لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و14 عامًا ارتفعت من 8٪ في عام 2000 إلى ما يقارب 15٪ في عام 2022. هذه الأرقام ليست مجرد بيانات إحصائية – بل هي قصص واقعية أعيشها يوميًا. أضرار تلوث الهواء على الأطفال جسم الطفل، وخاصة الجهاز التنفسي، أكثر حساسية بكثير من جسم البالغين. رئتا الطفل في مرحلة نمو، ومجرى الهواء أصغر، وقدرته على تصفية الجزيئات الضارة أقل. وعندما يستنشق الطفل هواءً يحتوي على كميات كبيرة من الغبار الدقيق، والانبعاثات الصناعية، والغازات السامة من وسائل النقل، فإن هذه الجزيئات يمكن أن: تسبب التهابات في الجهاز التنفسي العلوي (التهاب الأنف، التهاب الحلق، التهاب الجيوب الأنفية).تحفز نوبات الربو أو تزيدها سوءًا.تقلل مناعة الجسم، مما يجعل الطفل عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة في الرئة.تتجاوز الحاجز الرئوي الدموي، مما يؤثر على الجهاز القلبي الوعائي والتطور العقلي على المدى الطويل.لقد عالجتُ فتاة تبلغ من العمر 7 سنوات تعيش بالقرب من منطقة صناعية في ضواحي القاهرة. في كل شتاء، تدخل المستشفى مرتين على الأقل بسبب صعوبة في التنفس. وبعد الفحوصات، اكتشفنا أن تركيز الجسيمات الدقيقة في الهواء في منطقتها يزيد أربع مرات عن الحد الآمن الموصى به من قبل منظمة الصحة العالمية. ولم يتحسن وضعها إلا بعد أن غيّرت أسرتها بيئة المعيشة بالتوازي مع العلاج الوقائي. العلاقة بين أمراض الجهاز التنفسي وأمراض القلب لدى الأطفال يعتقد الكثير من الأهالي أن أمراض القلب لا تصيب إلا البالغين، لكن في الواقع يمكن لتلوث الهواء أن يضر الأوعية الدموية منذ سن مبكرة. فعندما تدخل الجسيمات الدقيقة والغازات السامة إلى الجسم، فإنها لا تتوقف عند الرئتين، بل تدخل مجرى الدم، مسببة التهاب الأوعية وزيادة خطر ارتفاع ضغط الدم، واضطراب نبضات القلب، أو تفاقم مشكلات القلب الخلقية. هذا الأمر خطير للغاية خاصة بالنسبة للأطفال الذين يعانون أصلًا من أمراض قلبية خلقية أو مشكلات وعائية خلقية – إذ هم الفئة الأكثر حاجة للمتابعة الطبية الدقيقة. لماذا تحتاجون إلى الفحص والتشخيص المهني؟ مع تزايد تلوث الهواء، فإن اعتماد الأهل على الملاحظة أو البحث عبر الإنترنت لا يكفي لاكتشاف المشكلات التنفسية أو القلبية لدى الأطفال في وقت مبكر، وذلك لعدة أسباب: تشابه الأعراض الأولية – مثل السعال الخفيف، الأزيز في التنفس، أو التعب – مع أعراض نزلات البرد العادية.ضرورة الفحص المتخصص الشامل – في المستشفى يمكننا إجراء اختبارات وظائف الرئة، تصوير الأشعة السينية، فحص القلب بالموجات فوق الصوتية، وتحاليل الدم لاكتشاف المضاعفات مبكرًا.الحاجة إلى أجهزة حديثة ومعرفة متخصصة – بفضل شهادتي من UCL وخبرتي العملية، أطبق معايير طبية عالمية، مستخدمة أجهزة قياس الأكسجة (SpO₂)، وأنظمة تحليل التنفس، وتقنيات الإنعاش المتقدمة للأطفال لضمان التشخيص الدقيق.فوائد التشخيص والعلاج المبكر منع تطور المرض: التحكم الجيد في الربو أو التهاب الشعب الهوائية أو الحساسية التنفسية يقلل خطر المضاعفات القلبية.تحسين التطور البدني: الطفل الذي يتنفس جيدًا سيكون أكثر قدرة على الحركة، التعلم، والتطور الذهني.تخفيف العبء المالي على الأسرة: العلاج المبكر أقل تكلفة وأكثر فعالية من علاج المضاعفات.التحرك اليوم بصفتي طبيبة أطفال وأمًا في الوقت نفسه، أعلم شعور القلق عندما يسعل طفلك أو يعاني صعوبة في التنفس أو لا يستطيع اللعب مثل باقي الأطفال. لكن بدلًا من القلق فقط، علينا أن نتحرك: اصطحاب الأطفال للفحوصات الدورية في مراكز طبية متخصصة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب للأطفال.تقليل التعرض للبيئة الملوثة: استخدام أجهزة تنقية الهواء، والحد من خروج الأطفال عندما يكون مؤشر جودة الهواء (AQI) مرتفعًا.التعاون مع الطبيب لوضع خطة علاج ووقاية طويلة الأمد.إن نفسًا نقيًا اليوم هو أساس صحة أطفالنا غدًا. وأؤمن بأنه مع اهتمام الأسرة ودعم الطب الحديث، يمكننا حماية قلوب ورئات أطفالنا الصغار من التهديد الصادر عن تلوث الهواء.